الجاحظ

117

رسائل الجاحظ

اللذة العاجلة طبعا لا يمتنع منه وواجبا لا يستطيع غيره ، وانما تكون النفس مختارة في الحقيقة ومجانبة لفعل الطبيعة إذا كانت أخلاطها معتدلة وأسبابها متساوية وعللها متكافئة ، فإذا عدل اللّه تركيبه وسوى أسبابه وعرفه ما عليه وله ، كان الإنسان للفعل مستطيعا في الحقيقة وكان التكليف لازما له بالحجة . ولولا أنك تحتاج إلى التعريف بأن المأمور المنهي لا بد له من التسوية والتعديل لما قال اللّه تعالى وَالْأَرْضِ وَما طَحاها وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ، ولو جاز أن يعلم موضع غيها ورشدها من غير أن يسويها ويهيئها لكان ذكر التسوية فضلا من القول ، واللّه يتعالى عن هذا وشبيهه علوا كبيرا . [ 10 - معرفة اللّه تتم بواسطة الرسل ] [ . . . ] فصل في جواب من يسأل عن المعرفة أباضطرار هي أم باكتساب : قلنا : إن الناس لم يعرفوا اللّه إلا من قبل الرسل ولم يعرفوه من قبل الحركة والسكون والاجتماع والافتراق والزيادة والنقصان ، على أنا لا نشك أن رجالا من الموحدين قد عرفوا وجوها من الدلالة على اللّه بعد أن عرفوه من الرسل ، فتكلفوا من ذلك ما لم يجب عليهم وأصابوا من غامض العلم ما لا يقدر عليه عوامهم ، ومن غير أن يكونوا تكلفوا ذلك لشك وجدوه أو حيرة خافوها ، لأن أعلام الرسل مقنعة ودلائلها واضحة وشواهدها متجلية وسلطانها قاهر وبرهانها ظاهر . [ 11 - العلم بصدق الرسل اضطراري ] فإن قالوا : أباكتساب علموا صدق الرسل أم باضطرار ؟ قلنا : باضطرار . فإن قالوا : فخبرونا على من عاين النبي صلّى اللّه عليه وسلم وحجته والمتنبي وحيلته كيف